Thursday, April 5, 2007

المدارس الديناميكية المعاصرة


في كتابه " الأنا والهو" The Ego and the Id والذي نشر سنة 1923، حدث تحول يعتبره البعض نقلة نوعية في فكر فرويد نحو الاعتراف بدور البيئة والعلاقات في نمو العقل والشخصية. استكمل هذا الاتجاه وطوّره، نخبة من العلماء الذين يُسمّون الفرويديون الجدد أو البعد فرويديين الذين قدموا نظريات تبتعد عن النموذج الميكانيكي الحتمي أو البيولوجي الذي اتبعه فرويد في التحليل النفسي الكلاسيكي اقتراباً نحو مزيد من الاحترام للعمليات المعرفية والعلاقاتية.

ينقسم الفكر الديناميكي المعاصر إلى ثلاثة معسكرات كبيرة:

علم نفس الأنا Ego Psychology

يطلق على هذا المعسكر اسم المعسكر الأمريكي أو المدرسة الأمريكية. هذه المدرسة تؤكد على أن نمو الشخصية يمتد على مدى العمر كله. لا تنكر هذه المدرسة الصراعات النفسية التي تعكس رغبات الهو ودفعاته، إلا أنها تقر أن دوافع الأنا مثل التوافق والكفاءة والهوية والحميمية والاكتمال لا تقل أهمية. يعتبر إريك إريكسون، أنا فرويد وهاينز هارتمان ولويس لوينشتاين من رواد هذه المدرسة.

نظرية العلاقة بالموضوع Object Relation Theory

يطلق على هذه المدرسة عموماً المدرسة البريطانية. يركز علماء هذه المدرسة على السنوات الأولى من العمر التي يعتقدون أن فيها يتم وضع حجر أساس الشخصية الإنسانية. العلاقات التي تحدث في هذه السنوات الأولى تشكل شخصية الإنسان التي تستمر طوال حياته، لكون الطفل، لا واعياً، يكون داخله تمثيلات أو صوراً مختزنة للشخصيات "الموضوعات" الهامة في حياته. هذه التمثيلات تحدد الطريقة التي يستقبل بها نفسه والعالم والآخرين. بحسب هذه النظرية، تتشكل الشخصية من خلال طبيعة هذه المختزنات والعلاقات بينها. أي أن هذه التكوينات النفسية هي التكوينات التي تشكل التركيب النفسي الداخلي للإنسان بدلاً من الهو والأنا والأنا العليا التي تكلمت عنها المدرسة التحليلية الكلاسيكية. أيضاً بحسب هذه النظرية، الدوافع الرئيسية للإنسان ليست دوافع بيولوجية ميكانيكية من جنس وعنف، وإنما هي دوافع "علاقاتية" نحو الحميمية وإشباع الاحتياجات النفسية الأساسية. يعتبر فيربراين و أوتو كيرنبيرج من المنظرين الأساسيين لهذه المدرسة.


علم نفس الذات Self Psychology

أسسها هاينز كوهوت وأتباعه. هذه النظرية تفترض أن الطفل إذا حصل على رعاية ثابتة ومستقرة وصحّية في سنوات عمره الأولى، سوف يتكون لديه وعي مستقر بالذات يمكنه من إقامة علاقات صحية فيما بعد. تسمى هذه "الذات الحقيقية" True self أما إذا كان البيئة الأولى غير مستقرة ولا تقدم رعاية صحية، فإن وعي الإنسان بذاته يكون مضطرباً وغير مستقر وهذه تسمى " الذات المزيفة" False Self. الذات الحقيقية الصحية تستطيع أن تحترم وتقدر وتستمع بكل من الفردية والذاتية، وفي نفس الوقت تحترم المجتمع والعلاقات وتحتاج إليها.

الهوية الأكثر استقراراً، في وجهة نظر هذه المدرسة، هي تلك التي تنفتح وتقبل مساهمات الآخرين دون خوف معوق من الابتلاع وضياع الهوية. الذات التي تتكلم عنها هذه النظرية ليست تكويناً نفسياً منفصلاً ولكنها عبارة عن مجموع المختزنات أو التمثيلات التي تتحدث عنها نظرية العلاقة بالموضوع بالإضافة إلى وظيفة تكاملية توافقية بينها. بهذا تكون هذه النظرية الأخيرة نوع من التكامل بين النظريتين السابقتين.

علم نفس الأنا لا يزال مرتبط بالفكرة التحليلية عن الدوافع ولكنه يحول التركيز فيها من الهو إلى الأنا، ثم تأتي نظرية العلاقة بالموضوع لتبتعد عن الفكر الدافعي الداخلي، وتقدم نموذج العلاقات كمحدد أساسي للشخصية. ثم تأتي نظرية علم نفس الذات لتجمع بينها، فهي تفترض وجود المحدد العلاقاتي الذي يأتي من الخارج وتضيف إليه وظيفة داخلية تحاول تحقيق التكامل بين هذه التمثيلات لمصلحة نمو ونضوج الإنسان في وعيه بنفسه وعلاقاته.

الافتراضات الفلسفية

الخلفية الفلسفية لهذه المدرسة ربما تقع في نظرية المعرفة الذاتية Subjective Epistemology هذه النظرية تفترض أن المعرفة أمراً ذاتياً داخلياً، وأن الواقع الخارجي لا يمكن استقباله إلا من خلال الخبرة النفسية الداخلية. وكأن هذه الخبرة هي بمثابة "نظارة" يرتديها كل إنسان، من خلالها ينظر للعالم. كل ما يستطيع الإنسان أن يفعله خلال رحلة نضوجه ونموه هو أن يجعل هذه النظارة أكثر نقاءاً و شفافية، لكن لا يستطيع أن يخلعها ويرى العالم بدونها.

نموذج الشخصية

الفرضية المحورية في كل من علم النفس التحليلي والديناميكي هي أن الإنسان لديه عالماً داخلياً قد تشكل وتأثر بفعل ماضيه. هذا العالم الداخلي هو الذي يتعامل به ومن خلاله مع العالم الخارجي ومع نفسه. بحسب نظرية العلاقة بالموضوع، هذا العالم الداخلي قد تشكل من خلال تمثيلات ومختزنات للعلاقات الهامة في الطفولة. لذلك فإننا عندما نتعامل مع شخص آخر، نحن لا نتعامل مع خارج هذا الشخص فقد ولكن مع عالمه الداخلي أيضاً ولا نتعامل بخارجنا فقط بل بعالمنا الداخلي أيضاً. تكمن المشكلة في أن ذلك العالم الداخلي ليس متاحاً تماماً لوعينا، ومع ذلك يؤثر كثيراً في استقبالاتنا وطرق تفكرينا وسلوكنا وعلاقاتنا. النضوج و"الشفاء" هو أن يصبح هذا العالم الخارجي أكثر وعياً وأكثر قبولاً للواقع الداخلي والخارجي بكل ما فيه من خير وشر متواجدان معاً بلا قلق زائد. تعتبر هذه المدرسة أن نمو وتطور الذات الناضجة المتكاملة تمر بمراحل مختلفة، لكل مرحلة احتياج خاص، إذا تم تسديد هذا الاحتياج من جانب الوالدين أو مقدمي الرعاية بوجه عام، فإن الذات تصل إلى قدر من الاستقرار يتيح لها احتمال الواقع والعلاقات بلا قلق معوِّق. تتميز هذه الذات الناضجة التي تكونت بفعل علاقات صحية خلال فترة التكوين بأنها:

- مستقرة، غير متذبذبة كثيراً في تقديرها للنفس أو للآخرين

- واقعية، ترى كل من الميزات والعيوب والخير والشر في النفس والآخرين وتقبل وجودهما معاً.

- قادرة على تهدئة و تعزية نفسها، وذلك لكونها قد استطاعت أن تختزن تمثيلات من الحنان والرعاية والحماية من خلال علاقتها بالوالدين أو غيرهم من مقدمي الرعاية الأصحاء.

نموذج الصحة

الصحة في مفهوم هذه المدرسة هي القدرة على عمل علاقات صحية والقدرة على كل من الاقتراب والابتعاد مع وعي مستقر بالنفس وبالآخرين. الشخص الناضج بحسب هذه النظرية يدرك تماماً انفصاله عن الآخرين واحتياجه إليهم فيستطيع عمل علاقات من الاعتماد الصحي المتبادل دون اعتمادية أو استقلالية مرضية. لتحقيق هذا يحتاج الشخص الناضج لأن يرى الواقع الداخلي والخارجي (أي النفس والآخرين) بصورة تقترب أكثر فأكثر من الواقع. يستطيع أن يرى الإيجابيات والسلبيات في نفسه والآخرين، دون التركيز على أي منهما بحيث يفقد رؤية الآخر. مثل هذا الإنسان يحترم كل من الضعف والقوة ويقبل وجودهما معاً بصورة تخالفية Paradoxical كما يقول بولس الرسول بجرأة شديدة : " فحينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوي!" (2كو 12: 10). لكون ذلك الشخص الناضج يستطيع رؤية مساحة أكبر وأعمق من الواقع بدون قلق زائد، فإن احتياجه للدفاعات النفسية يقل تدريجياً وتتطور دفاعاته من الدفاعات الأقل نضجاً إلى الأكثر نضجاً ووعياً.

نموذج المرض

إذا عاش الطفل في بيئة مناسبة تقدم له احتياجاته بصورة شبه ثابتة ومستقرة فإنه ينمو بشكل مستقر أيضاً ويستطيع أن يتجاوز احتياجاته ويخرج من نفسه إلى الآخر بحيث يرى الآخر أكثر من مجرد كيان يسدد له احتياجاته (الموقف النرجسي). أي أن الطفل إذا قدمت له يد الرعاية والحنان بشكل صحّي وكافي Good Enough Parenting فإنه يطمئن لثبات هذه اليد، و يطمئن أيضاً إلى قيمة نفسه التي تدفع هذا الوالد لتسديد احتياجه بثبات فيرتفع بعينيه ليرى الوجه والعينين وينفذ منها إلى كيان الآخر الداخلي ويقدر الآخر كآخر وليس مجرد كيان يستفيد منه. أما إذا لم تكن هذه اليد مستقرة في عطائها، فإن الطفل يشعر بعدم الأمان ولا يستطيع أن يتجاوز نفسه واحتياجاته إلى الآخر فلا يرى في الناس إلا أيادي أو منافع. يظل عدم الأمان هذا قابعاً داخله، متسبباً في اضطرابات في الشخصية والعلاقات ربما طوال العمر إن لم يحدث تدخل علاجي. بنفس المنظور يمكن أن نرى أن الوالد غير قادر على العطاء، لأنه أيضاً لم يأخذ بما فيه الكفاية، فلا يستطيع الخروج من نفسه ليعطي أي شخص آخر ولو حتى أطفاله، وهكذا تدور الدائرة جيلاً بعد جيل.


نموذج العلاج النفسي

العلاج في مفهوم هذه المدرسة لا يأتي إلا من خلال العلاقات. المعالج في هذه المدرسة لا يجب أن يكون بعيداً غير متورط مثل المدرسة التحليلية الكلاسيكية، بل يجب أن يكون قريباً ومتفاعلاً بصورة ديناميكية حية. بحسب النظرية التحليلية الكلاسيكية، قد يتورط المعالج مع المريض، ولكن هذا يعتبر نوع من الطرح المضاد الناتج من الصراعات العصابية غير المحلولة بالنسبة للمعالج والتي يحتاج لأن يتعامل معها حتى يقوم بتصفية هذا الطرح المضاد لكي لا يتدخل في تبصر العميل بنفسه وتعامله مع صراعاته. أما في المدارس الديناميكية، تعتبر العلاقة العلاجية بما فيها من صراعات وتبصرات المعالج بنفسه و مسيرة نموه الشخصي، جنباً إلى جنب مع نفس هذه الأمور لدى العميل، هي الأداة الرئيسية للعلاج وليس التقنيات العلاجية.

لذلك فإن العلاج بحسب هذه النظرية، هو عملية بها الكثير من التلقائية والتبادلية التي يحاول فيها كل من المعالج والعميل استكشاف الواقع الداخلي والخارجي لكل منهما لصالح العميل، حتى يصل إلى حياة وعلاقات أفضل. بعكس النظرية التحليلية، المعالج في هذا النوع من العلاج، حاضر بقوة، يساعد العميل أن يفسر مشاعره وخبراته الماضية من خلال أن يعكس له ما يقوله ويعبر عنه من مشاعر وما يحكيه من خبراته الشخصية الحاضرة والماضية. هذا ينقل للعمل شعوراً بأنه مقبول وذو أهمية، مما يدفعه نحو مزيد من النضوج والخروج من النفس للآخرين. هكذا تصبح العلاقة العلاجية نموذجاً أولياً للعلاقات الصحية الواعية التي يمكن أن تكون بديلة للعلاقات الهامة التي كان ينبغي أن تقدم هذه الاحتياجات في الماضي، والتي أدّى غيابها أو عدم كفايتها إلى الأعراض والصراعات الحالية.

يشتمل دور المعالج في هذه العلاقة العلاجية على:

  • التعرف على التشوهات في الشخصية المبنية على التشوهات وعدم الاستقرار الحادث في التمثيلات والصور المختزنة.
  • الحفاظ على العلاقة بالرغم من العواصف التي ربما تمر بها من جراء الطروحات والإسقاطات المختلفة من خلال دوره المهني المحايد الذي يستوعب المشاعر السلبية، لكونه يؤمن أن هذه العلاقة المستقرة هي الإطار الذي يحدث فيه العلاج، وأن العميل غالباً ما يكون قد مر بعلاقات كثيرة مقطوعة بسبب عدم نضوجه.

النقد المسيحي لهذه المدرسة

يعتبر تبني هذه المدرسة النظرة العلاقاتية أكثر من النظرة البيولوجية الميكانيكية الحتمية التي تميزت بها المدرسة التحليلية الكلاسيكية، قد فتح الباب أمام مزيد من الحوار والقبول لها في الأوساط المسيحية. لا يستطيع أحد أن يتجاهل حقيقة أن الدعوة المسيحية الأساسية هي للعلاقة مع الله والناس (تحب الرب إلهك .. وقريبك كنفسك) بل أن الطبيعة العلاقاتية للإنسان هي نقطة محورية في كونه مخلوقاً على صورة الله (الله.. محبة!).

كما أن فكرة اختزان العلاقات الهامة في الوعي حتى تصير جزءاً من كيان الإنسان نفسه تتفق مع الإيمان المسيحي بالاتحاد بين المؤمن والمسيح بحيث "يسكن المسيح" في قلبه عندما يؤمن و بين الزوج والزوجة بحيث يصبحان "جسداً" واحداً و أيضاً الاتحاد العضوي بين المؤمنين في جسد واحد، هو جسد المسيح. (1كو 12 و أفسس 5) وهم أعضاؤه أفراداً.

بالنسبة للخطية

يشير هندرسون (1975) إلى التوازي بين نظرة مدرسة العلاقة بالموضوع للمراجل المبكرة من الطفولة التي يتميز فيها الإنسان بالنرجسية التامة والانحصار في النفس، وبين المفهوم المسيحي للخطية الأصلية والأنانية التي نولد بها. أيضاً تتميز هذه المرحلة بشعور الطفل بأنه كليّ القدرة و بالرغبة في السيطرة الكاملة على العالم، هذا يقابل المفهوم المسيحي للخطية بأنها تمرد على الله. بطبيعة الحال تختلف نظرية العلاج النفسي عن الخلاص المسيحي في كون الأولى ترى أن الإنسان يتجاوز هذا بأن يدركه وبالتالي يخفف من تأثيره، أما الخلاص المسيحي فيرى أن الإنسان يحتاج إلى عمل إلهي يأتيه من خارجه ليخلصه. لا تغفل المسيحية أيضاً احتياج الإنسان أن يتعرف على الخطية والميل للشر والموت في داخله كوسيلة ضرورية لاكتشاف احتياجه للخلاص (رومية 7).

يعتبر الصراع بين مفهوميّ الخطية والمرض صراعاً حقيقياً بين المسحية وعلم النفس والعلاج النفسي. نادى بعض من المعالجين المسيحيين بأن يعود العلاج النفسي ليعترف بمفهوم الخطية والشر في العلاج النفسي و بأن وجود عناصر نفسية في الكثير من الخطايا لا ينبغي أن يغفل المسئولية الأخلاقية. وقد كانت هناك محاولات بناءة من جانب بعض من الأطباء والمعالجين مثل كارل مننجر (1973) و سكوت بيك (1984). الديناميكية التي تقول بأن الوالدين المحرومين من الحنان والرعاية، سوف يفشلون في تقديم رعاية مناسبة لأطفالهم وبالتالي تستمر الإعاقات وعيوب الشخصية من جيل لآخر، يمكن الموازاة بينها وبين المفهوم الكتابي بتوارث الخطية من جيل إلى جيل (خروج 34: 7).

نموذج الصحة النفسية

تتفق المسيحية مع هذه المدرسة وبالذات نظرية العلاقة بالموضوع في كون العلاقات أو "المحبة" في محور نموذجها للصحة النفسية. تتفقد المسيحية مع نظرية العلاقة بالموضوع في كون القدرة على عمل علاقات من الاحترام والاعتماد والخدمة المتبادلة بين الناس هي قلب الصحة النفسية، لكنهما يختلفان في قضية التضحية بالنفس من أجل الآخرين. لا تنظر النظريات النفسية بوجه عام نظرة عالية إلى هذا المفهوم بل ربما تعتبره عقاباً ذاتياً أو سلوكاً ناتجاً من شعور زائد بالذنب أو من رؤية غير سليمة للآخرين بوصفهم أكثر استحقاقاً من النفس.

ربما تكون هذه الديناميكيات المريضة موجودة في الكثير من مواقف التضحية بالنفس ونموذج " الممسحة" الذي يمارسه الكثير من المسيحيين وبالذات النساء في علاقتهن بأزواجهن و أولادهن،إلا أن التضحية المسيحية الناضجة لابد أن تنبع من رؤية صحّية للنفس بوصفها ليست أقل استحقاقاً من الآخرين. ربما نجد هذا النموذج في سلوك يسوع الذي يرى نفسه بشكل صحّي واقعي وفي الوقت نفسه يقبل مكانة الخادم من أجل الآخرين. " يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه، وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضي، قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفة وأتزر بها، ثم صبّ ماء في مغسل، وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزراً بها." (يوحنا 13: 3-5)

نلاحظ أن يسوع أخذ مكانة أقل مما يستحقها كنوع من التضحية من أجل المحبة والعلاقة، إلا أن الإنجيل يؤكد أن هذا لا يتعارض مع كونه يعلم قيمة نفسه الحقيقية وأنه من عند خرج وإلى الله يمضي وأن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه، و استعداده ببساطة أن يؤكد على هذه الحقائق دون خجل أو تواضع مزيف. بل أكثر من ذلك، تعقيباً على ما فعله، أضاف قائلاً: "أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تفعلون لأني أنا كذلك. فإن كنت أنا وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنت يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض." (يو 13: 13- 14) بهذا قدم يسوع مثالاً للتضحية مع الحفاظ على رؤية إيجابية واقعية للنفس.

إننا كثيراً ما نخلط بين التواضع وصغر النفس والدونية، لكن يسوع أعطى أيضاً تعريفاً للتواضع يتزن بين الرؤية الواقعية لقيمة النفس وقبول مكانة أقل في نفس الوقت. "وقال للمدعوين مثلاً، وهو يلاحظ كيف اختاروا المتكآت الأولى قائلاً لهم: متى دعيت من أحد إلى عرس فلا تتكئ في المتكأ الأول، لعل أكرم منك يكون قد دُعيَ منه فيأتي الذي دعاك وإياه ويقول لك: أعط مكاناً لهذا. فحينئذ تبتدآ بخجل تأخذ الموضع الأخير. بل متى دعيت فاذهب واتكئ في الموضع الأخير، حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك: يا صديق، ارتفع إلى فوق حينئذ يكون لك مجد أمام المتكئين معك. لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع." (لوقا 14: 7-11)

في الذهاب وأخذ الموضع الأخير يوصي المسيح بالاستعداد للتضحية وإنكار الذات، إنطلاقاً من تقدير الآخرين وتقديمهم على النفس و ليس احتقار النفس أو كراهيتها. و في قبول دعوة صاحب العرس إلى مكان أعلى يوصي المسيح بقبول الكرامة و التقدير، إنطلاقاً من شعور داخلي بالقيمة.

نموذج العلا ج النفسي

تتفق هذه المدرسة، وبالأخص نظرية العلاقة بالموضوع مع المسيحية في كونها ترى أن الشفاء علاقة جديدة. الشفاء من مرض الخطية في المسيحية هو من خلال علاقة جديدة بالمسيح، بينما ترى هذه النظرية أن الشفاء هو من خلال علاقة بمعالج يستوعب المختزنات القديمة السيئة، ويساعد العميل أن يختزن مختزنات جديدة صحّية من خلال علاقات صحية تكون العلاقة العلاجية نموذجاً لها. هنا يلعب المعالج دوراً مسيانياً، وهذا لا بأس به مسيحياً بوصف المؤمنين سفراء عن المسيح (2كو 5: 20- 21) الانتقاد الذي يمكن أن يوجه إلى هذه المدرسة يكمن في أنها ربما تؤله من العلاقات الإنسانية كوسيط وحيد للعلاج وتتجاهل الاحتياح للعلاقة الثابتة المستقرة بالله الحيّ الذي أعلن نفسه في الكتاب المقدس والالتزام بالمجتمع الكنسي. بالإضافة إلى ذلك تتجاهل هذه المدرسة وسائط علاجية هامة مثل تصحيح أخطاء التفكير والمواظبة على الصلاة والتدريبات الروحية المختلفة.

No comments: